ابن كثير
55
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
ولهذا جعل ذلك كثيرون من الخصائص له صلوات اللّه وسلامه عليه ، وقال آخرون : إن الخمس يتصرف فيه الإمام بالمصلحة للمسلمين ، كما يتصرف في مال الفيء ، وقال شيخنا الإمام العلامة ابن تيمية رحمه اللّه : وهذا قول مالك وأكثر السلف ، وهو أصح الأقوال . فإذا ثبت هذا وعلم ، فقد اختلف أيضا في الذي كان يناله عليه السلام من الخمس ، ماذا يصنع به من بعده ، فقال قائلون يكون لمن يلي الأمر من بعده ، روي هذا عن أبي بكر وعلي وقتادة وجماعة . وجاء فيه حديث مرفوع ، وقال آخرون : يصرف في مصالح المسلمين ، وقال آخرون : بل هو مردود على بقية الأصناف ، ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل ، اختاره ابن جرير ، وقال آخرون : بل سهم النبي صلى اللّه عليه وسلم وسهم ذوي القربى ، مردودان على اليتامى والمساكين وابن السبيل . قال ابن جرير : وذلك قول جماعة من أهل العراق ، وقيل إن الخمس جميعه لذوي القربى ، كما رواه ابن جرير « 1 » : حدثنا الحارث ، حدثنا عبد العزيز ، حدثنا عبد الغفار ، حدثنا المنهال بن عمرو ، سألت عبد اللّه بن محمد بن علي ، وعلي بن الحسين عن الخمس ، فقالا : هو لنا ، فقلت لعلي : فإن اللّه يقول وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ فقالا : يتامانا ومساكيننا ، وقال سفيان الثوري وأبو نعيم وأبو أسامة ، عن قيس بن مسلم ، سألت الحسن بن محمد ابن الحنفية رحمه اللّه تعالى ، عن قول اللّه تعالى : وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ فقال : هذا مفتاح كلام ، للّه الدنيا والآخرة ، ثم اختلف الناس في هذين السهمين ، بعد وفاة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقال قائلون : سهم النبي صلى اللّه عليه وسلم تسليما للخليفة من بعده ، وقال آخرون لقرابة النبي صلى اللّه عليه وسلم وقال آخرون : سهم القرابة لقرابة الخليفة ، واجتمع رأيهم أن يجعلوا هذين السهمين في الخيل والعدة في سبيل اللّه ، فكانا على ذلك في خلافة أبي بكر وعمر رضي اللّه عنهما « 2 » . قال الأعمش عن إبراهيم : كان أبو بكر وعمر يجعلان سهم النبي صلى اللّه عليه وسلم في الكراع والسلاح ، فقلت لإبراهيم ما كان علي يقول فيه ؟ قال : كان أشدهم فيه « 3 » ، وهذا قول طائفة كثيرة من العلماء رحمهم اللّه ، وأما سهم ذوي القربى ، فإنه يصرف إلى بني هاشم وبني المطلب ، لأن بني المطلب ووازروا بني هاشم في الجاهلية وفي أول الإسلام ، ودخلوا معهم في الشعب غضبا لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وحماية له ، مسلمهم طاعة للّه ولرسوله ، وكافرهم حمية للعشيرة وأنفة وطاعة لأبي طالب عم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وأما بنو عبد شمس وبنو نوفل ، وإن كانوا بني عمهم ، فلم يوافقوهم على ذلك ، بل حاربوهم ونابذوهم ومالؤوا بطون قريش على حرب الرسول ، ولهذا
--> ( 1 ) تفسير الطبري 6 / 254 . ( 2 ) تفسير الطبري 6 / 253 . ( 3 ) تفسير الطبري 6 / 253 .